ابن عطية الأندلسي

283

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

يراها المسالمة يقول : أمرهم بالدخول في أن يعطوا الجزية ، و كَافَّةً معناه جميعا ، والمراد بالكافة الجماعة التي تكف مخالفها ، وقيل : إن كَافَّةً نعت لمصدر محذوف ، كأن الكلام : دخله كافة ، فلما حذف المنعوت بقي النعت حالا ، وتقدم القول في خُطُواتِ ، والألف واللام في الشَّيْطانِ للجنس ، و عَدُوٌّ يقع على الواحد والاثنين والجميع ، و مُبِينٌ يحتمل أن يكون بمعنى أبان عداوته وأن يكون بمعنى بان في نفسه أنه عدو ، لأن العرب تقول : بان الأمر وأبان بمعنى واحد . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 209 إلى 212 ] فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 209 ) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 210 ) سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 211 ) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 212 ) قرأ جمهور الناس « زللتم » بفتح اللام ، وقرأ أبو السمال « زللتم » بكسرها ، وأصل الزلل في القدم ثم يستعمل في الاعتقادات والآراء وغير ذلك ، والمعنى ضللتم وعجتم عن الحق ، و الْبَيِّناتُ محمد وآياته ومعجزاته إذا كان الخطاب أولا لجماعة المؤمنين ، وإذا كان الخطاب لأهل الكتابين ، فالبينات ما ورد في شرائعهم من الإعلام بمحمد صلى اللّه عليه وسلم والتعريف به ، و عَزِيزٌ صفة مقتضية أنه قادر عليكم لا تعجزونه ، ولا تمتنعون منه ، و حَكِيمٌ أي محكم فيما يعاقبكم به لزللكم . وحكى النقاش أن كعب الأحبار لما أسلم كان يتعلم القرآن ، فأقرأه الذي كان يعلمه : فاعلموا أن اللّه غفور رحيم ، فقال كعب : إني لأستنكر أن يكون هكذا ، ومر بهما رجل ، فقال كعب : كيف تقرأ هذه الآية ؟ ، فقرأ الرجل : فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ، فقال كعب : هكذا ينبغي . وقوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ الآية ، الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، و هَلْ من حروف الابتداء كأما ، و يَنْظُرُونَ معناه ينتظرون . والمراد هؤلاء الذين يزلون ، والظلل جمع ظلة وهي ما أظل من فوق ، وقرأ قتادة والضحاك « في ظلال » ، وكذلك روى هارون بن حاتم عن أبي بكر عن عاصم هنا ، وفي الحرفين في الزمر . وقال عكرمة : ظُلَلٍ طاقات ، وقرأ الحسن ويزيد بن القعقاع وأبو حيوة « والملائكة » بالخفض عطفا على الْغَمامِ ، وقرأ جمهور الناس بالرفع عطفا على اللَّهُ ، والمعنى يأتيهم حكم اللّه وأمره ونهيه وعقابه إياهم ، وذهب ابن جريج وغيره إلى أن هذا التوعد هو بما يقع في الدنيا . وقال قوم : بل هو توعد بيوم القيامة ، وقال قوم : قوله إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ وعيد بيوم القيامة ، وأما الملائكة فالوعيد هو بإتيانهم عند الموت ، و الْغَمامِ أرق السحاب وأصفاه وأحسنه ، وهو الذي ظلل به بنو